صفحة المنتدى الرئيسية إبحث في المنتدى تحكم بعضويتك تعلم كيفية استخدام خصائص المنتدى في أمان الله ونتمنى عودتك قريبا احصل على عضويتك مجانا
اضف مركاز الى مفضلتك اجعل مركاز بداية دخولك للأنترنت الاتصال بإدارة الموقع Angry رفع صور - رفع ملفات - تحميل صور - تحميل ملفات

 

عن لقائي الأول مع الله ... منقول


عـودة للخلف   منتديات مركاز > :: المنتديات الأدبية :: > قصص واقعية و روايات

قصص واقعية و روايات

قصص واقعية، قصص عربية، قصص أطفال، قصص حب، قصص غراميه، قصة قصيره، قصة طويلة، روايات، قصص الانبياء، قصص واقعية، قصص من نسج الخيال، قصص موروثة، حكايات عربيه، قصص طريفه، قصص السيرة، قصص الأغبياء


الرد على الموضوع
 
خيارات الموضوع طريقة العرض
 
جرح الياسمين
عـــ (مبــــدع) ـــضو
 
1
الافتراضي عن لقائي الأول مع الله ... منقول قديم 23-06-2008, 06:23 PM

قالت لي جدتي حين بلغت السبع سنوات:
- ” الآن صرت رجلاً.. ووجب أن تقابل الله..! “
* * *
قلت بحيرة سنواتي السبع:
- ” ولكن يا جدتي.. كيف أقابل الله وهو في أعلى الأعلى وأنا في أسفل الأسفل ؟ “
- ” ما قلت تقابله وجهًا لوجه.. وإنما روحًا لوجه..”
- ” عما تتحدثين يا جدتي ؟ “
- ” عن الصلاة أتحدث..”
* * *
أثارني الأمر.. وأمطر فضولي أسئلة..
- ” ومتى أقابله ؟! “
أذكرها إذ تبتسم.. يتشكل الحنان العاتب تجاعيد على وجهها الكلثومي:
- ” الأولى أن تسأل أولاً كيف تقابله.. فربما لا تستطيع الاستعداد لذلك..”
غضبت طفلاً كأي رجل.. وقلت بحدة:
- ” كيف لا أستطيع الاستعداد ؟! إنه الله.. ويمكنني أن أفعل كل شيء لمقابلته.. لكن أنا مصر أن تخبريني أولاً متى أقابله حتى أريكِ الوقت القياسي الذي سأستعد فيه !”
- ” لا بأس.. ستقابله خمس مرات يوميًا.. في أوقات سأحددها لك لو هدأت قليلاً وأحضرت لي بعض النعناع من الحديقة.. لكم أحب النعناع !”
جريت للحديقة لأجلب النعناع منتعلاً الانبهار.. أنا.. أنا سأقابل الله خمس مرات يوميًا ! ترى ماذا سيقول أصدقائي في المدرسة لو عرفوا ذلك ؟!
عدت لها بما طلبت.. أخذت تمضغ أوراق النعناع في صبر.. ما عاد لها إلا النعناع والذكريات تمضغها.. بعد أن تساقطت السنون والأسنان !
قالت لي بأنفاس منعنعة :
- ” أول مرة تقابله فيها يجب أن تكون ضمن قلائل حتى يقربك ذلك إليه.. يكون ذلك عند الفجر.. ستجد نفسك في المسجد مع رجال مثلك.. رجال بحق ! فالله لا يختار إلا أفاضل الرجال كي يلقونه فجرًا.. مساكين هم من لا يقابلونه فجرًا ! وطوبى للخواص الذين تنعش الملائكة أرواحهم وقتها..”
- ” ولماذا لا يختار الله أكثر الناس ليقابلوه فجرًا ؟ ليس بشريًا كي يخاف ألا يوزع اهتمامه عليهم.. وهناك طيبون كثيرون..”
- ” لأنهم لا يريدون مقابلته كما يريد هؤلاء.. هؤلاء الخاصة يا ولدي جاءوه حبوًا.. فجاءهم هرولة.. أما الآخرين.. فلم يتحركوا من الأساس ! نسوا الله فأنساهم أنفسهم..”
فكرت قليلاً.. أغبياء بحق من يضيعون موعدًا مع الله ! بل وموعدًا خاصًا ! ثم عدت لها من جديد :
- ” الموعد الثاني ظهرًا.. وهو موعد أكثر عمومية من سابقه.. يمكنك -في الشتاء- يا صغيري أن ترقب الشمس وهي تصلي الظهر ! فالموجودات حولك كلها تصلي وتسبح.. كل حسب خلقته.. والشمس آية يمكن أن ترى وتتأمل صلاتها في حركتها.. تخيل أنك -أثناء مقابلتك مع الله- تتحرك هي حركة انكسارية يتابعها الجميع بشغف.. لأن وصولها لمرحلة معينة يعني أن هذا الموعد أزف.. وقد بدأ الموعد الآخر الذي أقسم به الله في سورة تحفظها..”
- ” والعصر..!”
- ” لكم يكون مضيّعه في خسر ! العصر بالذات له مكانة كبرى عند الله.. فهو أحد البردين الذين وعد الله مصليهما بالجنة.. وهو الصلاة الوسطى التي أُمرنا بالمحافظة عليها والقيام قانتين، وقته يمتد منذ أن تعلن الشمس انكسارها وتبدأ في الاحمرار خجلاً من كونها لا تستطيع البقاء أكثر من ذلك.. وينتهي وقته حين يحن عليها الليل ويداريها بعباءته السوداء ذات النجوم..”
- ” إذن فالموعد الذي يليه موعد المغرب “
- ” أكيد.. إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله.. وفي حركاتهما وما ينجم عنها من اختلاف الليل والنهارآيات لقوم يؤمنون.. لذلك احرص يا ولدي على متابعة تغيراتهما وظواهرهما.. وسبح بعظمة خالقهما بالعشي والإبكار.. ووقت المغرب يمتد حتى يحكم الليل ارتداء عباءته التي أخفى بها الشمس (التي تكون آنها قد ذهبت لتسبح الله في مكان آخر من الأرض)..”
- ” وبعدها ؟”
- ” بعدها يكون الموعد الأخير.. العشاء.. آخر مقابلاتك اليومية مع الله.. وقته يختلف امتدادًا.. فالبعض قال أنه حتى منتصف الليل.. والبعض قال بامتداده حتى الفجر.. ولكنك لا تحب أن تؤجل موعدك مع الله إلى هذا الحد.. أليس كذلك ؟ “
بحماسة صحت :
- ” نعم نعم.. أنا أتحرق شوقًا للقاء الله في الخمس مرات.. فكيف أؤخرها ؟! المهم.. قولي لي الآن كيف أتحضر لمقابلته.. لا أريد أن أضيع الموعد القادم ! “
- ” كما عوّدتك حين تقابل علية القوم.. عليك بأن تبدو نظيفًا متأنقًا مغسول الأطراف.. فما بالك حين تكون بحضرة المولى جل وعلى ؟! هناك إجراءات مخصوصة لكي تبدو نظيفًا وضيئًا.. هذه الإجراءات تدعى الوضوء.. “
متسرعًا كعادتي.. تركتها وقمت مسرعًا إلى جانب الحديقة حيث استقر صحن كبير وزجاجة ماء تركهما أبي الذي سبقني للقاء الله منذ لحظات.. أتيت بهما ووضعتهما أمامها وأمسكت بزجاجة ماء مبتسمًا في حماسة ! أعجبها مدى حب الله في قلبي الذي قرّب مني الماء.. بعد أن كنت أمقته بشدة ! وقالت :
- ” إذا قمت إلى الصلاة.. فاغسل يدك حتى المرفقين ثلاثُا ووجهك حتى الجانبين ثلاثُا ورجلك حتى الكعبين ثلاثًا.. ثم امسح على رأسك مرة.. هذا هو الأساس.. وإن أردت زيادة في التزين كما كمان رسولك يفعل.. فعليك بالمضمضة ثلاثًا.. وبالاستنشاق ثلاثُا.. وبأذنيك مرة ! “
فعلت كما أمرتني.. وزدت ما سُن عن النبي في وضوئي.. المرء لا يقابل الله إلا خمس مرات.. يجب أن يفعل كل ما بوسعه ليبدو جميلاً نظيفًا ! بعدما انتهيت أطرقت قليلاً وسألتها :
- ” لم لا أضيف بعض العطر لماء الوضوء ؟ أعتقد أني بهذا أبدو أجمل.. “
- ” لأن الله أمرك ألا تفعل..”
- ” ألحكمة ظاهرة ؟ “
- ” لم أسمع.. ولم أهتم أن أسمع.. المسلم يستمع لأوامر الله وإن خفيت الحكمة.. والمؤمن يحاول أن يرى الحكمة بنظرة جمالية تغنيه عن المعرفة الحقة لها..”
- ” لا أفهم..”
- ” خذ القاعدة وابنِ على أساسها: مادام الله اختار هذا عن ذاك.. فالخيرة فيما اختاره الله..”
فكرت.. إذن هذا هو الأفضل.. ولكن كيف ؟ كيف.. كيف.. كيف.. وفجأة لمعت في ذهني وفي عيناي :
- ” آها ! الله يريد أن يساوي بين من يملك العطر.. ومن لا يملك العطر.. حتى نكون جميعًا على ذات الجمال ! “
ابتسمت وهزت كتفيها بحركة “ربما” الشهيرة.. أرضاني ذلك نوعًا ساعتها.. بل وجعلني أشعر بالفخر كذلك لتوصلي لحكمة إلهية من منظوري الشخصي !
عندها جاء (إبراهيم) أخي الأكبر.. انحنى على يد جدتي يقبلها وعلى أنفي يحاول جدعه مداعبًا كعادته ! مداعبة مقيتة كنت أكرهها وأرد عليها دومًا بلكمات طفولية غاضبة ! ومن ثم استأذن من جدتي للصلاة.. أذنت له وأشارت لي إشارة ذات معنى.. سأرى الآن مثالاً حيًا للقاء مع الشرح ! وبدأت تشرح:
- ” راقب أخيك جيدًا.. انظر لوقفته المعتدلة.. تأمل النفس العميق الذي يأخذه.. كأنه يحاول أن يمتص ذاك السد الكثيف بينه وبين السماء.. ترى كيف يرفع يديه وكأنه يرمي الدنيا خلفه ؟ هذا يدعونه التكبير.. ترمي الدنيا خلفك مهما كبرت وتقول: الله أكبر..”
كنت أراقب الأمر بدقة.. لم يدهشني كثيرًا كونه ظل ناظرًا للأرض طيلة الوقت.. أنا حين أكون في مقابلة مع ناظر المدرسة لا أقوى على رفع عيني في عينيه أو تأمل الموجودين والموجودات من حولي.. فما بالك بمقابلة مع الله ؟! كيف أجسر على رفع عيني من الأرض والنظر لأي شيء آخر غير ذنوبي وخطاياي الماثلة بين يديه أرضًا ؟! وواصلت جدتي الشرح :
- ” لن تسمع الآن ما يقول.. فهو يسرّ ربه الآن بالفاتحة ومن بعدها سيقرأ آيات أخرى من القرآن.. أترى شفتيه كيف تتوقفان بين اللحظة والأخرى ؟ إنه ينتظر رد الله عليه !”
- ” أيرد الله عليه يا جدتي ؟!!!”
- ” أكيد يا صغيري.. فالحوار قائم بين الله وعبده في الصلاة وإن حضره قلبه في الأرض وملائكة الله في السماء.. تخيل حين يذكر الله محاورتك معه لملائكته المقربين في الأعلى ! “
- ” وكيف يدور هذا الحوار يا جدتي ؟ “
- ” يبدأ العبد بالحمد فيقول: الحمد لله رب العالمين، فيقول الله في الملأ الأعلى: حمدني عبدي ! ثم يباشر بالثناء قائلاً: الرحمن الرحيم، فيقول الله مسمعًا الملائكة: أثنى عليّ عبدي ! ويمجد العبد خالقه ويقول: مالك يوم الدين، فيرد الله مزهوًا به أمام الملائكة: مجدني عبدي ! ويقر العبد حقيقة أبدية: إياك نعبد.. وإياك نستعين، فيقر الله حقيقة أحق: هذا بيني وبين عبدي، ثم بعد الحمد والثناء يأتي الدعاء: اهدنا الصراط المستقيم.. صراط الذين أنعمت عليهم.. غير المغضوب عليهم.. ولا الضالين، فيجيب المجيب الواسع الحكيم: هذا بيني وبين عبدي.. ولعبدي ما سأل.. “
كانت تتكلم وأنا انبهاري يزيد.. كل ذلك سأفعله أنا ! سأتكلم مع الله ويرد على كلامي وتشهد محاورتنا الملائكة ! أي فخر وأي شرف ! ثم رأيت أخي يرمي الدنيا خلفه مرة أخرى مكبرًا.. ثم رأيته ينحني ويمسك ركبتيه بيديه..
- ” هذا هو الركوع.. يسبح أخوك الآن بحمد ربه العظيم.. ويزيد سنّةً بقوله: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك.. اللهم اغفر لي.. هل تعرف متى سُنت هذه السنة ؟ كان ذلك قبل وفاة الرسول.. حين نزلت سورة “النصر” بأمر الله: فسبح بحمد ربك واستغفره ، الأمر الذي كان مبكاة للصديق أبي بكر الذي قرأ ما بين السطور آنها وعرف بقرب انتقال حبيبه المصطفى إلى الرفيق الأعلى..”
توترت قليلاً.. كان موضوع وفاة الرسول أمر يثير توتري وعصبيتي دائمًا وأنا صغير.. ربما لما زُرع في من حب وإعجاب بعظمة النبي جعلني أتعلق به كدودة القز على ورقة توت.. صعب دائمًا أن تشرح لطفل حقيقة أن بطله المفضل مات بالفعل.. إلا أن جدتي -بوفير الفطنة عندها- لاحظت ذلك.. وغيّرت دفة الحديث نحو شاطئ آخر:
- ” الآن تراه يقوم من الركوع راميًا الدنيا خلفه مرة أخرى.. الآن هو يقر بحقيقة يذكر الله بها عباده منذ الأزل: سمع الله لمن حمده.. ترى يا صغيري الجمال في هذه الحقيقة ؟ تخيل الله وهو ينصت لك باهتمام حين تتمتم : ربنا ولك الحمد..”
- ” أما من شيء زائد أقوله ؟ أريد أن أنتهز إنصات الله ليه باهتمام كما تعرفين ! “
- ” هناك الكثير.. يمكنك أن تقول مثلاً : ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا طاهرًا مباركًا فيه ! “
حاولت أن أحفظها من أول مرة وفشلت طبعًا.. فقررت أن أحفظ جزءًا منها وأردده في كل صلاة حتى يتسنى لي حفظه ، وبالفعل.. هأنا الآن شاب يافع وأحفظها كلها بسبب رغبتي الطفولية في زيادة وقت إنصات الله لي !
ثم رأيت أخي ينزل إلى الأرض.. وتلامس كفيه وجبهته عشب الحديقة الدافئ.. بهرتني هذه الحركة بالذات وترسّم ذلك الانبهار على ملامح وجهي وصوتي حين سألتها عما يفعل..
- ” هو الآن في أقرب ما يكون العبد إلى ربه.. هو ساجد.. للسجود مكانة خاصة في الصلاة وغيرها عند الله.. قمة التواضع للخالق عز وجل.. ولهذا يسبح في السجود بكونه الأعلى.. وعليك بإكثار الدعاء حينها كما أُمرنا في الحديث.. ولك نصيحة يا صغيري.. حين تريد الدعاء بأي شيء حاول أن تسجد وتطلب من الله ما شئت.. وحين تشعر أنك بعيد عن الله اسجد له وسبّح بحمده.. وابكِ….”
عرفت -فيما بعد- أن البكاء من خشية الله جالب لظل الرحمن يوم لا ظل إلا ظله.. وكانت هذه نقطة مريرة في نفسي لما كان للدمع من ثمن باهظ وجهد شاق للإدرار عندي.. وكنت أحسد الفتيات شد الحسد على دموعهن القريبة ! المشكلة أن الحمقاوات لا يستغللن هذا الأمر صالحًا.. لكم تغيظني من تبكي على “تيتانيك” ولا تبكي لتضرع الرسول في ليل الطائف البهيم.. كم أكره الفتيات !
لاحظت أن أخي قد قام من السجود.. وجلس وقتًا.. ثم سجد مرة أخرى ! سألت جدتي عن ماهية الأمر فقالت بشيء من الزهو :
- ” هذا من مظاهر تكريم الله للوالدين.. تخيل أنه أمرنا بقطع السجود والقيام منه للدعاء لهما ! علمني أبواي هذا الأمر قبل موتهما.. وهأنا أعلمها لك علّها تكون في ميزان حسناتي.. رب اغفر لي ولوالديّ.. رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا..”
أذكر أني في اليوم التالي حين ذهبت للمدرسة سمعت أحد زملائي يقول صيغة أخرى وهي: رب اغفر لي ولوالديّ وللمؤمنين يوم يقوم الحساب، وقتها غضبت غضبًا عنيفًا وثرت عليه ونعتّه بأنه أحمق لا يفهم في الدين ولا في اللقاءات الربانية ! تشاجرنا يومها حتى سخرت من جهلنا الأمم.. وجاء رجل صالِح صالَح بيننا وقال أن كلينا على صواب.. وأن الدين واسع.. واختلاف الأمة رحمة لا نقمة.. وأن الأصل واحد ولكن الطريقة أو “المذهب” يختلف.. لكم كنا صغارًا حمقى نغضب لأجل طرف ورقة أصفر ويلهينا الغضب عن السوس الذي ينخر في الشجرة الأساسية !
بعدها قام أخي.. وكرر نفس ما قام به منذ قليل -والذي عرفت أنه يدعى “ركعة”- ولكن مع اختلاف بسيط.. فهو لم يقم من السجود الثاني واقفًا.. وإنما جلس وأخذ يتمتم بشيء ما..
- ” أخوك الآن يسترجع واحدة من أقدس المحادثات.. تلك التي قام بها الرسول الكريم والرب العظيم في سدرة المنتهى بحضور الملائكة.. حين تقدم الرسول وقال: التحيات لله.. والصلوات والطيبات، فرد عليه رب العزة قائلاً: السلام عليك أيها النبي.. ورحمة الله وبركاته، ولم ينسنا الرسول حتى في أبجل اللحظات وقال: السلام علينا.. وعلى عباد الله الصالحين، فشهدت مسبّحات الله النورانية: نشهد أن لا إله إلا الله.. ونشهد أن محمدًا رسول الله.. “
دار رأسي وأنا أتخيل المشهد.. ودار رأسي أكثر حين أكملت:
- ” قالها النبي منذ ألف عام ويزيد.. وتقولها أنت الآن.. وسيقولها آلاف غدًا وملايين بعد غد.. أنت تقولها الآن لا للتذكير بتلك المحادثة المقدسة فقط.. ولكنك تقولها بنفسك أيضًا ! فأنت تقدم التحيات لله والصلوات والطيبات.. وتلقي السلام على النبي ورحمة الله وبركاته.. وتتمنى السلام لك ولعباد الله الصالحين.. ثم تتلو الشهادتين المباركتين بأن لا إله إلا الله وبأن سيدنا محمدًا رسول الله..”
أفقت على سؤال أضاءته في ذهني ملحوظة :
- ” لماذا يا جدتي يرفع أخي إصبعه السبابة هكذا فجأة ؟! “
- ” لا أعلم إن كان هذا هو السبب أم لا.. ولكن رفع السبابة منفردة حركة شهيرة مقترنة بذكر وحدانية الله.. أعتقد أنك تذكرها من جنازة خالك.. حين دخل النعش المسجد ورفع الجميع سباباتهم هكذا متذكرين أن الدوام لله وحده.. وإن لم تكن تفعل فلاحظها في أغلب الجنازات اليومية في فلسطين.. هيه ! انظر.. لقد انتهى (إبراهيم) من ركعته الثالثة بالفعل ! هذا الفتى سريع حقًا.. أينعم من السنة التباطؤ في أول ركعتين والإسراع في الأخريين.. ولكن ليس معنى ذلك أن تصير طوربيدًا ! يجب أن أشد أذنه حينما ينتهي.. “
أبتسم الآن لتذكر هذا الأمر.. كانت جدتي لا تفرق بين كبير وصغير في موضوع شد الأذن هذا ! وكانت تمتلك من سطوة الشخصية ما كان يمكنها من أن تقول لأخي -الفارع الطول- أن ينحني قليلاً حتى تستطيع شد أذنيه ! وما كان لأحد أن يعترض بالطبع.. ومن ذا الذي يستطيع الاعتراض على ملكة البيت الكبير ؟!
كان (إبراهيم) الآن في الركعة الرابعة والأخيرة.. ومرة أخرى جلس لقراءة ما عرفتها بـ”التشهد”.. لاحظت أنه لم يقم فور رفع السبابة.. وإنما ظل جالسًا بعض الوقت.. نظرت لجدتي مستفسرًا فقالت:
- ” إن (إبراهيم) الآن يتأهب للرحيل.. لقد قرأ التشهد.. ولكن بقى الفضل الذي يدين به للنبي الأكرم.. عليه أن يرد ولو جزءًا ضئيلاً لمن علمنا كيف يكون اللقاء مع الله.. إنه يصلّي عليه الآن بصيغة تدعى “الصلاة الإبراهيمية” لما فيها من طلب صلاة وسلام على سيدنا محمد وآله مماثلتين للتين صلاها وسلمها الله على خليله إبراهيم وآله.. فهو يقول: اللهم صلِ على سيدنا محمد.. وعلى آل سيدنا محمد.. كما صليت على سيدنا إبراهيم.. وعلى آل سيدنا إبراهيم.. وبارك على سيدنا محمد.. وعلى آل سيدنا محمد.. كما باركت على سيدنا إبراهيم.. وعلى آل سيدنا إبراهيم.. في العالمين.. إنك حميد مجيد، حين تكبر قليلاً ستدرك المغزى اللغوي من “حميد” و”مجيد”.. تذكر كلام جدتك حين تأخذ صيغ المبالغة يومًا ما ! “
شعرت بالاندهاش نوعًا.. كنت أظن في كل عام أننا أخذنا ما يكفي قرونًا في المدرسة.. وأنه -لكثرة ما درسنا- ما عاد هناك شيء ليُتعلم أو يُدرس وأننا وصلنا لقمة المعرفة الكونية ! لم أستوعب ساعتها أن هناك شيئًا بعد الفعل والفاعل والمفعول به والمضاف إليه في اللغة أصلاً !
عائدًا بطوف خواطري.. رأيت (إبراهيم) يلتفت برأسه فقط نحو كتفه الأيمن ويهمس بشيء ما.. ثم إلى الأيسر هامسًا مرة أخرى..
- ” أخوك يسلم على ملكين الآن بتحية الإسلام المعروفة ! هناك ملكان على كتفيه يدونان أعماله كلها.. الملك على الكتف الأيمن يدون أعماله الصالحة وعلى الأيسر الطالحة.. فاحذر من كتاب الملك الأيسر يا صغيري ! وتأدب في السلام معه حتى وإن علمت أنه يحصي أخطاءك..”
رغم اختلاف المذاهب في صيغة السلام (من حيث إضافة “وبركاته” في التسليمة الأولى أو في الاثنين).. إلا أني -لا شعوريًا- اتخذت مذهب إضافة “وبركاته” في التسليمة الأولى فقط بإصرار.. كان المبدأ الطفولي -الذي استمر معي حتى الآن- هو أني يجب أن أتمنى “البركة” أن تحل على الملك الأيمن الذي يكتب الحسنات فقط.. وليس على الملك الأيسر حتى لا تتبارك (أي تزيد) سيئاتي !!
- ” أهذا كل شيء يا جدتي ؟ “
- ” هكذا لقاؤك الرسمي بالله انتهى.. يمكنك أن تمكث بعض الوقت معه بعد التسليم.. تستغفره وتتوب إليه بما يغفر لك ذنوبك ولو كانت مثل زبد البحر.. وهو أن تقول: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ، هكذا ثلاثًا.. دائمًا ادعُ ثلاثُا.. واستغفر ثلاثًا.. فالملائكة تحجب دعاءك في المرتين الأوليين.. ثم يلبيك ربك مسرعًا في الثالثة ! وتذكر دائمًا أن الله يستحيي أن يرفع عبده يديه إليه بالدعاء ولا يستجيب.. كذا عليك بالباقيات الصالحات.. فهن خير عند ربك..”
- ” وما هن ؟ “
- ” سبحان الله.. والحمد لله.. والله أكبر.. ولا إله إلا الله.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.. الثلاث الأوليات هن ثلاثية “ختم الصلاة” الشهيرة التي تتم بقول كل واحدة منهن ثلاثًا وثلاثين مرة ثم الختم بـ:لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.. “
رفعت أحد حاجباي ولويت طرف فمي الأيسر في حيرة.. كيف يمكن أن أعد ثلاثًا وثلاثين مرة وأنا لي عشر أصابع فقط ؟! دعك من أني لا أجيد استخدام “السبحة” إياها وأعتبر مستخدميها بالسرعة الهائلة هذه أبطال رياضيين.. سألتها عن حل فقالت :
- ” افرد أصابعك العشرة.. نعم هم عشرة فقط.. ولكن كل إصبع به ثلاث عقلات.. لو ضغطت على كل عقلة منهن ومشيت على هذا المنوال في كل أصابع يدك.. كم يكون العدد ؟!
- ” ثلاثون..”
- ” افتح يديك وأغلقهما ثلاثًا مع التسبيح في كل مرة تحصل على العدد المطلوب ! “
ابتسمت جذلاً.. فيما بعد كنت أجرب التسبيح بالحصى وأنا بجانب البركة.. وحين تعلمت الزراعة زرعت ثلاثًا وثلاثين وردة في الحديقة في حوض أسميته “حوض الباقيات الصالحت” وكنت أصلي بجانبه وأختم الصلاة من خلاله !
كان وقت العصر مازال متاحًا عندئذ.. فاستئذنت جدتي -التي بدا عليها الإرهاق أو الإعياء نوعًا- كي أذهب للحاق به.. ابتسمت وأذنت لي ولكن بعد أن أساعدها للذهاب لحجرتها.. وحين ذهبنا للحجرة طلبت مني طلبًا غريبًا.. وهو أن أساعدها على السجود ! قلت لها :
- ” ولكن ركبتيك تؤلماك يا جدتي.. ولك الرخصة أن تصلي وتسجدي جالسة كما يقول أبي.. “
قالت في إصرار :
- ” اليوم ربي يريدني أقرب إليه.. أنا أشعر بذلك وأحسه..”
المهم أني فعلت ما طلبت.. رغم أني لم أقتنع تمامًا بكونها تريد أن تدعو في هذا الوقت (كانت قد صلت العصر بالفعل).. أمرتني حينها باللحاق بالصلاة وإغلاق الباب عليها.. سمعتها وأنا في طريقي للخروج تهمس -لهدوء المكان- في سجودها :
- ” سبحانك اللهم ربنا وبحمدك.. اللهم اغفر لي..”
* * *
وحين انتهيت من لقائي مع الله.. جريت فرحًا لأخبرها بوقائع اللقاء.. طرقت الباب ففتح لي أبي الذي كان قد رجع من عمله.. ابتسم حين لمح آثار الصلاة على جبهتي :
- ” كان لقاؤك الأول مع الله إذن ! يبدو أنك ورثت جيناتي التي تحبب لي السجود على العشب ! “
ابتسمت في سرعة وسألته أن يفسح لي الطريق لأحكي لجدتي عن تفاصيل لقائي الأول بالله.. فاستوقفني وقال لي :
- ” للأسف لن تستطيع ذلك.. لأن جدتك ذهبت للقاء الله هي الأخرى.. وحلا لها البقاء هناك…..”
* * *
واليوم أجلس.. مثلما كنت في سن (إبراهيم) وقتها.. أمام قبر العزيزة.. أحوّل ألمي لاستغفار لها.. وأترجم شوقي تسبيحًا لله من أجلها.. أغمض عيني.. لا أدري إن كانت ستسمع أم لا.. ولكني آخذ بالأحوط..
قلت في خاطري:
- ” جدتي.. لقد كان لقائي الأول بالله رائعًا ! “
وشرعت أحكي لها عن لقائي الأول مع الله..
 المصدر : http://forum.merkaz.net/





 

 

 

 

 



Digg this Post!Add Post to del.icio.usFurl this Post!
الرد باقتباس
 
 
emkammol
مشرفة مطبخ حواء
 
2
الافتراضي قديم 23-06-2008, 06:49 PM

[لا يسمح للزوار بمشاهدة الروابط. اضغط هنـا للتسجيل...]

[لا يسمح للزوار بمشاهدة الروابط. اضغط هنـا للتسجيل...]
جزاك الله كل الخير على الموضوع الجميل جدا استمتعت وانا اقرائه
[لا يسمح للزوار بمشاهدة الروابط. اضغط هنـا للتسجيل...]

تحياتي لك
ام كمول
 المصدر : http://forum.merkaz.net/



 

 

 

 

 



نصائح قبل التحميل

1- أفحص الملف المرفق بأي برنامج مضاد للفيروسات
2- قم بمراسلة المراقب عن أي مرفق يوجد به فيروس
3- المنتدى غير مسؤول عن مايحتويه المرفق من بيانات

 

Digg this Post!Add Post to del.icio.usFurl this Post!
الرد باقتباس
 
 
دمعتي المجروحة
كبيرة المراقبين
 
3
الافتراضي قديم 23-06-2008, 08:23 PM

جزاك الله خيرا يا غالية

ويا هلا بك بيننا

وعذرا سأنقل الموضوع لمنتدى القصص والروايات

ولك ودي


 المصدر : http://forum.merkaz.net/



 

 

 

 

 



Digg this Post!Add Post to del.icio.usFurl this Post!
الرد باقتباس
 
 
جرح الياسمين
عـــ (مبــــدع) ـــضو
 
4
الافتراضي قديم 24-06-2008, 02:52 AM

السلام عليكم
بارك الله بكم جميعا
أشكر تشجيعكم لي فهده مشاركتي الأولى
أحلىىىىىىىىى مسا لكل
 المصدر : http://forum.merkaz.net/



 

 

 

 

 



Digg this Post!Add Post to del.icio.usFurl this Post!
الرد باقتباس
 
الرد على الموضوع

الوسوم
منقول, لقائي, الله, الأول

خيارات الموضوع
طريقة العرض


مواضيع مشابهة
الموضوع الكاتب القسم الردود آخر مشاركة
يا الله....(منقول) warde مواضيع إسلاميه 1 28-11-2007 01:11 PM
التوبة (منقول) warde مواضيع إسلاميه 3 21-09-2007 10:40 AM
ثوم منقول منقول omar_uosif2005 الطب و الصحة 1 10-07-2007 08:03 PM
الصدقة ... (منقول) warde مواضيع إسلاميه 7 06-07-2007 03:11 AM

 
Powered by vBulletin® Version 3.7.3
Copyright ©2000 - 2008, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع الحقوق محفوظه لشبكة مركاز العربية © 2004 - 2008
Search Engine Optimization by vBSEO 3.2.0

الساعة الآن +4: 09:28 AM.

هذا المنتدى يعمل على نسخة في بي بلص

سهارى